محمد كرد علي
248
خطط الشام
في الدفاع واحد ، فالشام إذا اعتز بالتركمان . ثم إن السلجوقيين كانت بأيديهم الدروب أو المنافذ إلى آسيا الصغرى أو طريق الإفرنج من أوروبا إلى الشام على طريق البر ، فتولي دولة التركمان القيادة العامة جمع بالطبيعة حولهم العرب من سكان هذه الديار وما إليها . إن حكم التركمان الشديد عجل على ما يظهر في خروج الصليبيين إلى الشام . وإليك البيان : أثخن بنو سلجوق أصحاب آسيا الصغرى في جيش صاحب قسطنطينية بإيعاز السلطان ملكشاه ، وضايق الأمير برسق الروم ، حتى قرر على القسطنطينية في كل سنة حمل ثلاثمائة ألف دينار للسلطان ، وثلاثين ألف دينار له ، جزية يؤديها ، فخاف ملك القسطنطينية كثيرا على مملكته من هجوم المسلمين ، فكتب يستنهض ملوك أوروبا أن يأتوا لمساعدته ، ورضي بطريرك القسطنطينية بأن يقدم خضوعه لبابا رومية ، إذا كانت ممالك أوروبا تجهز جيشا لتخليص المملكة اليونانية مما يتهددها من هجوم التركمان والمسلمين ، فكاتب ملوك أوروبا بذلك . قال صالح بن يحيى في سبب استيلاء الصليبيين على ديار المسلمين : إنه لما قويت دولة بني سلجوق ضعفت حال الخلافة ببغداد ، فلما مات ملكشاه السلجوقي سنة خمس وثمانين وأربعمائة وقع الخلف بين ولديه محمد وبركيارق ، ودام الحرب بينهما نحو اثنتي عشرة سنة فاضطربت ممالك الشرق لذلك ، ووافق هذا خلافة الآمر بأحكام اللّه بمصر وكان صغيرا ، ولما كبر كان مستهترا بالمملكة فخلا للصليبيين الجو . وفي التاريخ العام أن حجاج النصارى كانوا يرمون إلى أخذ القبر المقدس من أيدي المسلمين ، وإن كان هؤلاء يتركونهم وشأنهم يقومون بعبادتهم بسلام ، ولكن كان يتراءى للنصارى أن سيدهم المسيح يرضى عن عملهم إذا أنقذوا قبره من غير المؤمنين بدينه . وروى بعض المؤرخين أن الفاطميين هم الذين فاوضوا الصليبيين وأرادوهم على غزو الشام لينجوا من السلجوقيين الذين كانت قويت دولتهم . وهذا مما يستبعد ، وإن كان العقل لا يستبعد شيئا في السياسة ، ولكن ظهر أن الفاطميين حاولوا غير مرة رد الصليبيين عن الساحل وعن فلسطين .